ابن عربي
284
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
حكمة أديب ونصيحة لبيب إياك وصحبة الملوك ، فإنك إن لازمتهم ملوك وإن تركتهم أذلّوك ، يستعظمون في الثواب رد الجواب ويستصغرون في العقاب ضرب الرقاب . قال الحكيم : مثل السلطان مثل النار ، لا ينتفع به إلا على بعد . خبر البيت المعمور اختلف الناس فيه ، فقيل : هو في السماء السادسة ، وقيل : في السماء السابعة . وقال ابن عباس : البيوت أربعة عشر بيتا ، لو سقط الأعلى منها لسقط على الذي تحته ، وكذلك كل بيت منها في السبع سماوات والسبع أرضين . وإن اللّه خلق لها خلقا يطوفون بها على صورنا ، حتى إن فيهم ابن عباس مثلي ، وهذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يعودون فيه أبدا . روينا ذلك في الحديث الصحيح . وذكر شيخنا أبو زيد السهيلي الضرير المالقيّ ، في الروض الآنف له ، في شأن هؤلاء السبعين ألف ملك الذين يدخلون البيت المعمور ، في حديث رويناه عنه ، يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن جبريل عليه السلام ينغمس كل يوم في نهر الحياة غمسة ، ثم ينتفض فيقطر من انتفاضه من ذلك الماء سبعون ألف قطرة ، يخلق اللّه من كل قطرة ملكا ، فهم الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم » . روينا من حديث أبي الوليد ، قال : حدثنا علي بن هارون العجليّ ، عن أبيه ، ثنا قاسم بن عبد الرحمن الأنصاري ، حدثني محمد بن علي بن الحسين ، قال : كنت مع والدي علي بن الحسين عليهم السلام ، فبينما هو يطوف بالبيت وأنا وراءه ، إذ جاءه رجل شرجم من الرجال يقال له طويل ، فوضع يده على ظهر أبي ، فالتفت أبي إليه ، فقال الرجل : السلام عليك يا ابن بنت رسول اللّه ، أريد أن أسألك ، فسكت أبي ، فردّ عليه السلام ، فقال : يا ابن بنت رسول اللّه أريد أن أسألك ، فسكت أبي ، وأنا والرجل خلفه حتى فرغ من أسبوعه ، فدخل الحجر ، فقام تحت الميزاب ، فقمت أنا والرجل خلفه ، فصلى ركعتي أسبوعه ، ثم استوى قاعدا . فالتفت إليّ ، فقمت فجلست إلى جنبه . فقال : يا محمد ، أين هذا السائل ؟ فأومأت إلى الرجل ، فجاء فجلس بين يديّ أبي ، فقال له أبي : عمّ تسأل ؟ قال : أسألك عن بدء هذا الطواف بهذا البيت ، لم كان ؟ وأنّى كان ؟ وحيث كان ؟ وكيف كان ؟ فقال له أبي : نعم ، من أين أنت ؟ قال : من أهل الشام . قال : أين مسكنك ؟